ابن أبي مخرمة
83
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
حق الملك العادل الحليم ، المنقاد إلى الحق ، المؤثر طاعة اللّه عزّ وجل على هواه ؟ فقال ابن تومرت : أما ما نقل عني . . فقد قلته ، ولي من ورائه أقوال ، وأما قولك : إنه يؤثر طاعة اللّه على هواه ، وينقاد إلى الحق . . فقد حضر اعتبار صحة هذا القول عنه ليعلم بتعرّيه عن هذه الصفة أنه مغرور بما تقولون له وتطرونه مع علمكم أن الحجّة متوجهة عليه ، فهل بلغك يا قاضي أن الخمر يباع جهارا ، وأن الخنازير تمشي بين المسلمين ، وتؤخذ أموال اليتامى ؟ ! وعدّد من ذلك شيئا كثيرا ، فلما سمع الملك كلامه . . ذرفت عيناه ، وأطرق حياء ، ففهم الحاضرون من فحوى كلامه أنه طامع في المملكة لنفسه ، ولما رأوا سكوت الملك وانخداعه . . لم يتكلم أحد منهم ، فقال مالك بن وهيب وكان كثير الاجتراء على الملك : أيها الملك ؛ إن عندي لنصيحة إن قبلتها . . حمدت عاقبتها ، وإن تركتها . . لم تأمن غائلتها ، فقال الملك : ما هي ؟ قال : إني خائف عليك من هذا الرجل ، وأرى أنك تعتقله وأصحابه ، وتنفق عليهم كل يوم دينارا لتكفى شره ، وإن لم تفعل ذلك . . لتنفق عليه خزائنك كلها ، ثم لا ينفعك ذلك ، فوافقه الملك ، فقال وزيره : يقبح بك أن تبكي من موعظة هذا الرجل ، ثم تسيء إليه في مجلس واحد ، وأن يظهر مثلك الخوف منه مع عظم ملكك ، وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه ، فأخذت الملك عزة النفس ، واستهون أمره ، وصرفه ، وسأله الدعاء . فيقال : إنه لما خرج من عند الملك . . لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه ، فقيل له : نراك تأدبت مع الملك ؟ ! فقال : أردت ألا يفارق وجهي الباطل حتى أغيره ، ثم قال ابن تومرت لأصحابه : لا مقام لنا مع وجود مالك بن وهيب ، فما نأمن أن يعاود الملك في أمرنا ، فينالنا منه مكروه ، وإن لنا بمدينة أغمات أخا في اللّه - يعني عبد الحق بن إبراهيم ، من فقهاء المصامدة - فنقصد المرور به ، فلن نعدم منه رأيا ودعاء صالحا ، فخرجوا إليه ، ونزلوا عليه ، فأخبره ابن تومرت خبرهم ، وأطلعه على مقصدهم ، وما جرى لهم عند الملك ، فقال عبد الحق : هذا الموضع لا يحميكم ، وإن أحصن هذه المواضع المجاورة لهذه البلد تين ملّ - بكسر المثناة من فوق ، وسكون المثناة من تحت ، ثم نون ، ثم ميم مفتوحة ، ثم لام مشددة - في المكان الفلاني ، وبيننا وبين ذلك مسافة يوم في هذا الجبل ، فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم ، فلما سمع محمد بهذا الاسم . . تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب « الجفر » ، فقصده مع أصحابه ، فلما رآهم أهله على تلك الصورة . . عرفوا أنهم طلاب العلم ، فأكرموهم في أكرم منازلهم .